يمثّل مبدأ السببية أحد أقدم المفاهيم التي شكّلت رؤيتنا الفلسفية للوجود، إذ يعدّ حجر الأساس في فهمنا للواقع. ورغم رسوخ هذا المبدأ وتغلغله في أعماق لاوعينا، فقد تعرّض عبر التاريخ لتحديات علمية وفلسفية عميقة دفعت كثيرًا من المفكرين إلى إعادة النظر فيه والتشكيك في حتميّته. ومع تنامي هذه الإشكالات، يبرز سؤال لا مفرّ من طرحه: هل السببية سمة بنيوية للكون، أم سردية ينسجها الوعي هربًا من عبث الواقع؟
يواجه كتاب “البنية السببية للكون”هذا السؤال مباشرةً عبر رحلة فكرية تمتد من فلسفة هيوم وكانط، مرورًا بنسبية أينشتاين وموجات شرودنغر ونظرية المجال الكمومي، وصولًا إلى المنطق الرياضي ونظرية المعلومات. وعلى امتداد هذه الرحلة، يسعى الكتاب إلى زحزحة الإشكالية القائمة بين أنصار السببية وخصومها عبر طرحٍ جديد يتجاوز ثنائية الإثبات والتفنيد، متجهًا بدلًا من ذلك نحو الكشف عن البنية المنطقية للسببية في أكثر مستويات الواقع تجريدًا.
لذلك، تنطلق المقاربة الفلسفية في هذا الكتاب من أن المفاهيم—كالسببية—بحاجة إلى التحرر من عقلية الإثبات والتفنيد، والتركيز على إعادة صياغتها لتعزيز فعاليتها في مواجهة التحديات التي تفرضها النظريات العلمية المعاصرة. بهذا المعنى، فإن المسألة لا تكمن في ما إذا كانت السببية قانونًا حتميًا للكون، بل في الكيفية التي نُعيد بها تعريف ما نعنيه بـ “السبب” من الأساس.