تولّدت المباحِث الأربعة التي تحتضنها دفّتا هذا الكتاب من وِقْفَة واحدة، وِقْفَة استبصار متجلّد في سيرورة العالم، تمثّل سعيي إلى إدراك مكنوناتها وتفسيرها. وبمعنىً ما، كانت هذه المؤلّفات مهيّأة لأن تجد نفسها في يوم من الأيام منشورة في مجلّد واحد يلتحف القميص نفسه، ويحمل العنوان ذاته، وهو عالم بلا بوصلة، صرفتُ في وضعه ربع قرن من الزمن، ملزماً نفسي بالإبحار، بأقصى ما قدِرَتْ عليه بصيرتي من نفاذ، عبر ما قد يبدو للأجيال الآتية، واحدة من أكثر حِقب التاريخ دقّة وحَسْماً.
إنّ الحِقْبة التي أقصدها ها هنا هي تلك التي لا نزال لها معاصرين، مكابدين كل يوم تأرجحاتها وارتجاجاتها، وغير عالمين بالطبع بما الذي ستفضي إليه. لكنّنا نبقى مع ذلك قادرين على الجزم بأنّها حِقْبة تختلف اختلافاً واضحاً عن كل سابقاتها،
عن الاختلال المناخي، والاختلال الاقتصادي، والاختلال الأخلاقي، وزوال النظام العالمي أيًّا يكن، المقترن بغياب أي قلق كوني… يقع هذا السؤال في صُلْب مخاوفي، أجيب عنه قائلاً التالي: نعم، لا أزال على اعتقادي بأن وضع حدّ نهائي لهذا الانحراف الانتحاري، أمر ممكن؛ لكن، يبدو لي أننا لا نسير في الطريق المؤدّي بنا إلى الخروج من المتاهة. ذلك أننا لم نبدأ بعد باستعادة تماسكنا والسيطرة على أنفسنا؛
ولكي نقوى على التصدّي للتجارب العصيّة على الإحصاء كما على العَدّ التي سنجدها حكماً تعترض طريقنا في السنوات القادمة، فإنّه لا بدّ لنا من السير، وأيًّا تكن الظروف، بخُطى متيقّظة، كمَن يقرأ علامات الطريق بعينَيْن فاحصتَيْن.