«بقي أبو عباس في بعلبك. لم يشأ مغادرتها رغم الصعوبات وقساوة العيش. «أهل بعلبك كالسمك يا صديقي لا يقدرون على العيش خارج الماء»، كان يردد دائمًا. والماء هو المدينة نفسها، بكل تفاصيلها، بشتائها البارد وصيفها الحار الجاف، وشمسها التي «تحرق جناح الدبّور». مدينة يحبها أبو عباس، يحب ماءها الذي يأتي من «اللجوج»، وهو نبع لم تطاوله بعد يد التلوث. يحب تاريخها المعروف منه والمجهول، ويهتم بكل شاردة أو واردة، يراقب الحوادث وينظمها بحسب طريقته الخاصة، ومفاهيمه المختلفة».
حاولت، من خلال محتويات هذا الكتاب، أن أرصد بعض ملامح بعلبك القديمة، والتبدّل الحاصل مع مرور الوقت، من خلال اعتمادي نموذجًا مكانيًا هو «الطالع»، الذي يقع، في نقطة مرتفعة منها، بيتنا؛ وهو نموذج يمكن تعميمه على أحياء أخرى من المدينة، مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف الممكن في بعض التفاصيل. لم يكن في وسعي الإحاطة بالمسائل كافة في هذا المجال، فهذه مهمة معقّدة، وقد تجد مكانًا لها في كتابات أخرى.